السيد هاشم البحراني

128

البرهان في تفسير القرآن

مصائبهم وفجائعهم « 1 » ، فقد كانت على سعة من الآمال ، ولم تك مصيبة عظمت ، ولا رزية جلت كالمصيبة برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، لأن الله حسم « 2 » به الإنذار والإعذار ، وقطع به الاحتجاج والعذر بينه وبين خلقه ، وجعله بابه الذي بينه وبين عباده ، ومهيمنه الذي لا يقبل إلا به ، ولا قربة إليه إلا بطاعته ، وقال في محكم كتابه : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّه ومَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ) * « 3 » ، فقرن طاعته بطاعته ، ومعصيته بمعصيته ، فكان ذلك دليلا على ما فوض الله إليه ، وشاهدا له على من اتبعه وعصاه ، وبين ذلك في غير موضع من الكتاب العظيم ، فقال تبارك وتعالى في التحريض على اتباعه ، والترغيب في تصديقه ، والقبول لدعوته : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) * « 4 » ، فاتباعه ( عليه السلام ) محبة الله ، ورضاه غفران الذنوب ، وكمال النور « 5 » ووجوب الجنة ، وفي التولي عنه والإعراض محادة الله ، وغضبه وسخطه ، والبعد منه مسكن النار ، وذلك قوله : ومَنْ يَكْفُرْ بِه مِنَ الأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُه « 6 » يعني الجحود به ، والعصيان له . وإن الله تبارك اسمه امتحن بي عباده ، وقتل بيدي أضداده ، وأفنى بسيفي جحاده ، وجعلني زلفة للمؤمنين ، وحياض موت على الجبارين ، وسيفه على المجرمين ، وشد بي أزر رسوله ، وأكرمني بنصره ، وشرفني بعلمه ، وحباني بأحكامه ، واختصني بوصيته ، واصطفاني لخلافته في أمته ، فقال ( صلى الله عليه وآله ) وقد حشده المهاجرون والأنصار ، وغصت « 7 » بهم المحافل : أيها الناس ، إن عليا مني كهارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي فعقل المؤمنون عن الله نطق الرسول إذ عرفوني أني لست بأخيه لأبيه وأمه كما كان هارون أخا موسى لأبيه وأمه ، ولا كنت نبيا فأقتضي نبوة ، ولكن كان ذلك منه استخلافا لي ، كما استخلف موسى هارون ( صلى الله عليهما ) ، حيث يقول : اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وأَصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) * « 8 » . وقوله ( صلى الله عليه وآله ) حين تكلمت طائفة فقالت : نحن موالي رسول الله فخرج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى حجة الوداع ، ثم صار إلى غدير خم ، فأمر فأصلح له شبه المنبر ، ثم علاه ، وأخذ بعضدي حتى رئي بياض إبطيه ، رافعا صوته ، قائلا في محفله : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه فكانت على ولايتي ولاية الله ، وعلى عداوتي عداوة الله ، فأنزل الله عز وجل في ذلك اليوم : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً ) * « 9 » فكانت ولايتي كمال الدين ، ورضا الرب جل ذكره .

--> ( 1 ) في المصدر : وفجائعها بهم . ( 2 ) أي قطع ، وفي المصدر : ختم . ( 3 ) النساء 4 : 80 . ( 4 ) آل عمران 3 : 31 . ( 5 ) في المصدر : الفوز . ( 6 ) هود 11 : 17 . ( 7 ) في « ط » : انقضت . ( 8 ) الأعراف 7 : 142 . ( 9 ) المائدة 5 : 3 .